
بسم الله الرحمن الرحيم
الحزب الإسلامي فى ماليزيا: سبعون عاما من النضال
احتفل الحزب الإسلامي الماليزي فى 24 نوفمبر 2021 بكوالا ترنقانو عاصمة ولاية ترنقانو لمناسبة ذكرى انطلاقته السبعين، ويعد من أقدم الأحزاب ذات التوجه الإسلامي في جنوب شرق آسيا فإنه من المهم للغاية كتابة هذه المقالة الموجزة للتعريف به لدى المسلمين في أنحاء العالم.
كانت دولة ماليزيا قبل تأسيسها في عام 1963 تسمى بالاتحاد أرض الملايو المكونة من تسع ولايات وهي قدح و بيراق وسلانجور و باهنج و جوهر و كلانتن و ترنغانو وبرليس و نقري سمبيلن وتضم كذلك ملاقا وبينغ اللتان تحت إدارة من الإستعمار البريطاني فحكم ولاية تحت سلطة مستقلة يحكم بنظام ملكي دستوري وكل ولاية يحكمها سلطان ولها دستور مستقل لكل منها قبل الإستعمار منبثق من القرآن والسنة، وبعد استقلالها من الاستعمار البريطاني فى عام 1957 ثم انضمام ولايتي صباح وسراواك وسنغافورة في عام 1963 سميت باسم ماليزيا كدولة حديثة يحكم بنظام ديمقراطي وتشكل نظام حكم فدرالي مكون من الحكومة المركزية، و حكومات الولايات وفى عام 1965 انفصلت سنغافورة من ماليزيا وأصبحت دولة مستقلة ذات أغلبية صينية.
ومن الناحية الاجتماعية فإن أغلبية السكان من القومية الملايوية المسلمة وهم السكان الأصليون إضافة الى القوميات الأخرى بولايتي صباح وسراواك ، وأما الصينيون والهنود ليسوا سكانا أصليين وإنما نقلهم الاستعمار البريطاني الى ماليزيا ضمن سياسة التهجير والتوطين بنية التغيير الديموغرافي للمنطقة الملايوية المسلمة، وتلبية لسياستها العامة تجاه العالم الإسلامي تماما مثلما طبقتها في الأراضي الفلسطينية وغيرها من بلاد المسلمين.
يتراوح عدد سكان ماليزيا حوالي ثلاثين مليون نسمة بحسب أحدث الإحصاءات، تبلغ نسبة المسلمين منهم 65 % بينما كانت نسبتهم قبل الاستقلال تزيد عن الـ 80% وذلك بسبب التوطين الذي اتبعه الاستعمار كما اسلفنا باستقدام المهاجرين غير المسلمين من الهندوس والبوذيين والمسيحيين.
الحزب الإسلامي فى سطور
على الرغم من أن الحزب الإسلامي تأسس في العام 1951 كحزب سياسي إلا أن مسيرته النضالية بدأت منذ أوائل القرن العشرين وذلك بعد سقوط الدولة الإسلامية العثمانية في تركيا ووقع العالم الإسلامي تحت قبضة الاستعمار الغربي، وهو امتداد للحركات الإسلامية في جنوب شرق آسيا والتي ظهرت نواتها في اندونيسيا عام 1909 على أيدي التجار المسلمين والتي حملت اسم منظمة “شركة الإسلام” وكانت من أهدافها تمويل الدور والمدارس الإسلامية لمناهضة المد الاستعماري الهولندي الذى حمل معه حركة التنصيروالتغريب، وبعدها انتشرت هذه المنظمة الى مناطق أخرى في جنوب شرق آسيا التي يقطنها المسلمون كولاية فطاني جنوب تايلاند وسنغافورة و أراض الملايو ومن خلالها نجحت هذه المنظمة في توعية المسلمين على أهمية وحدتهم لمناهضة هذا الخطر، فأعلن تأسيس “حزب المسلمين” في 1948م على أيدي رجال منظمة شركة الإسلام ، فأدرك الاستعمار خطره وقوة تأثيره على المجتمعات المسلمة فتم الايعاز الى السلطة المحلية الشكلية بحظره بعد سنتين فقط من انطلاقه بتهمة كاذبة وهي التعاون مع الاستعمار الياباني!
كانت العلاقة بين الحزب الإسلامي والحزب القومي الملايوي UMNO – وهو أكبر حزب للمسلمين- علاقة جذرية من حيث التأسيس وذلك في عام 1946 بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية وعودة بريطانيا الى الأراضي الملايوية من جديد وبعدها حظرت بريطانيا جميع أحزاب سياسية في أيام التواجد الياباني فى المنطقة ولم يسمح بتأسيس أي حزب سياسي إلا حزب الذى تمت مباركته فقط ومن ثم تأسس حزب UMNO القومي وانخرط قادة “حزب المسلمين” المحظور فى صفوفه وبعدها بخمس سنوات ارتاوا تأسيس حزب خاص بهم يحمل هوية إسلامية واضحة المعالم سيما بعد اشتداد الخلافات بينهم وبين قادة حزب UMNO ومعارضتهم قبول قادة UMNO تجنيس المهاجرين كأحد شروط الاستقلال التي وضعتها بريطانيا ، فلذلك يرى الحزب أن استقلال ماليزيا ليس استقلالا حقيقيا حيث يتنافى مع مصالح المسلمين ورغم ذلك قبل هذا الاستقلال و يعمل لإصلاحه رويدا رويدا متناسبا للواقع.
قادة الحزب
خلال سبع عقود ترأس الحزب سبع قادة أولهم الشيخ أحمد فؤاد وهو من أحد مؤسسي الحزب ثم الدكتور عباس إلياس وهو أول من اقترح البعثة الطبية للحجاج في أوائل الخمسينات ثم الدكتور برهان الدين الحلمي المعروف بأحد رموز الإستقلال الماليزي وبعد أن توفي عين بعده محمد عصري الذى أختير أحد الوزراء عندما انضم الحزب في الحكومة المركزية بعد الاضطرابات القومية في العام 1969، و في عام 1982 ترأس الحزب الشيخ يوسف روا وهو أحد العلماء البارزين فى ماليزيا وكان سفيرا لماليزيا لعدة دول ثم يأتي بعده الشيخ فاضل نور وهو من خريجي جامعة الأزهر الشريف، وبعد أن توفي عين الشيخ عبد الهادي أوانج محمد رئيسا للحزب الى الآن والذى قاد الحزب الى أن وصل الحكم في ثلاث ولايات وهي كلنتن وترنقانو وقدح ويشارك الحزب الآن في الحكومة المركزية متحالفاً مع حزب UMNO و BERSATU ويحمل ثلاث حقائب وزارية وعين الشيخ اوانج المبعوث الخاص لرئيس الوزراء في شؤون شرق أوسط.
حركة الإصلاح والتجديد
تأثر الحزب بأفكار الإصلاح والتجديد التي حملها الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وكذلك الحركات الإسلامية التي نشأت بعدها كإخوان المسلمين وحزب مسلمين شورى (ماشومي) في اندونسيا وغيرها ومن هذا المنطلق طبقا لدستور الحزب فإنه يهدف الى إصلاح سياسي، واجتماعي، واقتصادي من منظور إسلامي شامل فى ماليزيا وفقا لدستور الدولة.
قبل الاستقلال شارك الحزب مع القوى السياسية الأخرى وخاصة حزب UMNO نقاشات مع الاستعمار البريطاني لاستقلال البلاد وحرصت بريطانيا جعل ماليزيا دولة علمانية وبفضل ضغوط الحزب قبلت بريطانيا وضع الدين الإسلامي كدين الدولة فى الدستور.
اكتسب الحزب الإسلامي الكثير من الخبرات وذلك نتيجة مشاركته في العمل السياسي من بداية تأسيسه، ومرت هذه المشاركات بمراحل من الضعف والقوة كما مرت بتحالفات مع بعض الأحزاب السياسية في السلطة أو كتله المعارضة ، ففي يوليو عام 1955 شارك الحزب الانتخابات الأولى التي أقيمت سنتين قبل الاستقلال كحزب معارض وفاز بمقعد واحد من أصل 52 مقعد، وأما الانتخابات الأولى بعد الاستقلال أقيمت في العام 1959 ونجح في الحصول على حكم ولايتين من 14 ولاية وهما ولاية ترنقانو ثم كلنتن ، وفى العام 1973 شارك الحزب في الحكومة الائتلافية المركزية بدعوة رئيس الوزراء آنذاك عبد الرزاق ثم حكومة التحالف من العام 1974 الى العام 1978 واستطاع من خلاله وضع برامجه الإسلامية في نظام الحكم كتحريم الخمر في الاجتماعات الرسمية، والأذان لكل الصلوات في وسائل الإعلام الحكومية وأما من ناحية الاقتصاد استطاع وضع سياسة تموضع الملايويين المسلمين في برنامج زراعة النخيل للزيت في أنحاء ماليزيا مما ضمن مكاسبهم المالية.، وفى العام 1978 فض الحزب ائتلافه مع حزب UMNO وأصبح حزبا معارضا.
منذ بداية الثمانينات غير الحزب مساره الداخلي بوضع فلسفة الحزب بما يسمى بقيادة العلماء وغير نظامه الداخلي باستحداث مجلس شورى العلماء كأعلى هيئة في الحزب وهي مسؤولة في مراقبة أداء الحزب ليسلك مسلك السياسة على حسب الشريعة الإسلامية ويحال إليه أية مستجدات ليناقشها ويصدر رأيه مثل انضمام غير المسلمين كأعضاء في الحزب وترشيح النساء في الانتخابات وتحالف الحزب مع أي حزب آخر والكثير من المستجدات التي تطرأ على الحياة السياسية العامة والخاصة بالحزب.
يمكن القول أنه منذ التسعينات حتى الآن خطى الحزب خطوات ملموسة فى السياسة والدعوة والتربية فمن خلالها تحالف الحزب بأحزاب مختلفة واستطاع من خلالها حكم ثلاث ولايات وحقق إنجازات ملموسة في تقديم الخدمات والرعاية الاجتماعية ضمن الحدود والإمكانات التي يكفلها دستور الدولة الاتحادية.
قدم الحزب برامجه الانتخابية في إصلاح نظام الانتخابات كون النظام النافذ يصلح لمصلحة المسلمين ، وهو نظام موروث من الاستعمار والذى يعتبر عدد المقاعد المنتخبة لا على عدد أصوات الناخبين، وهذا لا يراعي الأغلبية المسلمة والهوية المجتمعية الملاوية.
وأما من ناحية التربية والتعليم فقد قام الحزب بنشأة روضات الأطفال ورعاها ويصل عدد تلامذتها مائة ألف وهي أكبر مجموعة روضات الأطفال فى البلاد ولديها مئات من المدارس الدينية الابتدائية والثانوية، ضمن منهج علمي قادر على اعداد النش وتربيتهم التربية الناضجة ليكونوا جزءا من التنمية والتطوير في البلاد ثم قام الحزب بفتح الكليات والمعاهد العليا الأهلية على المستوى الجامعي وهي كلية ذوالكفل محمد فى كوالا لمبور ومدينة العلم فى كلنتن ومؤسسة دار العلوم فى قدح وكلية دار القرآن فى ترنقانو.
وأما من ناحية الدعوة فإن للحزب منظمات غير حكومية تعمل في مجال الدعوة بعدة مجالات مختلفة وذلك لأن دستور الدولة لا تسمح لأي حزب ممارسة الدعوة بحجة استغلالها لمصلحة سياسية.
رؤية مستقبلية
وبالرغم من خلافات الحزب مع حزب UMNO فكريا وإيدولوجيا ومن ثم تأثر هذا الخلاف في قرارات سياسية واقتصادية واجتماعية فإنه لا يمنع من تعاونهما فيما يتعلق بمبادئ الإسلام وقضايا مشتركة لمصلحة الدولة ولقد شهدت على مر العصور تعاونهما ووقوفهما جنبا الى جنب لنصرة قضايا المسلمين فى البلد أو خارجه ، فقضية فلسطين مثلا تعتبر القضية المثلى التى اتحد موقفهما ووقوفهما فى نفس الخندق نصرة لها رغم أنف أمريكا والدول الغربية.
فبعد هزيمة حزب UMNO في الانتخابات العامة السابقة المقامة فى عام 2018 وفوز PAKATAN HARAPAN (PH) وهو الائتلاف المكون من حزب الديمقراطية DAP – ذات أغلبية صينية – وحزب العدالة والتنمية PKR اللبرالي الذى يرأسه نائب رئيس الوزراء وزير المالية الأسبق أنور إبراهيم و حزب الوحدة BERSATU الذى يرأسه رئيس الوزراء الأسبق مهاتير محمد مما أدت الى اضطرابات سياسية واجتماعية في البلاد لأن الحكومة المركزية المشكلة من هذا الائتلاف أغلبيتها من غير المسلمين وخاصة حزب DAP الذى يعتبر حزب صيني متعصب واشتهر بسياستها المعادية تجاه الإسلام والمسلمين ومن خلال حكم هذا الائتلاف اتخذت بعض القرارات المناهضة لمبادئ الإسلام كمحاولتها تهميش الهوية الإسلامية والملايوية المسلمة من الدستور تبعا لدعوة المساواة الغربية ومن ثم اتجه الحزب الى التعاون مع حزب UMNO عدوه اللدود فى السياسة واستطاعوا تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب BERSATU المنشق من مهاتير محمد.
بالرغم من معارضة الحزب قبول تجنيس المهاجرين لاستقلال ماليزيا على أيدي بريطانيا فى بداية تأسيسه فإنه يقبلهم أخيرا و ينظر اليهم كأحد أركان المجتمع الماليزي التعددي ضمن المواطنة المتساوية التي يكفلها الدستور والقوانين في البلاد شريطة الانتماء لهذا البلد والوفاء له.
تجربة الحزب الإسلامي بعد سبعين عام من انطلاقته جديرة بالقراءة والاهتمام واسبار أغوارها من قبل مراكز الأبحاث والمهتمين من إخواننا العرب والمسلمين، وهي تجربة ثرية بالنضال والعمل السياسي الإسلامي، والاجتماعي الخدمي ولا تخلوا من نقص وإخفاق إلا اننا نزعم باننا الحزب الإسلامي وقف شامخاً طيلة هذه الفترة بكل مالها وعليها.
محمد خليل عبد الهادي أوانج محمد
العضو المركزي للحزب الإسلامي فى ماليزيا
عضو مجلس النواب بولاية ترنقانو
23 جماد الأول 1442 / 28 ديسمبر 2021











